الشيخ عبد الغني النابلسي
58
كتاب الوجود
وقال قبل ذلك في قوله تعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » " فإنهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم ، المراد بالسؤال ما يدل على الحاجة أي تحصيل الشيء نطقا كان أو غيره " . انتهى . وأخبر تعالى أيضا أن العبد يكون في شأن بقوله سبحانه : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ « 2 » . وكذا وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ « 3 » . فأخبر تعالى أن الشأن يكون تعالى فيه ، وأن العبد يكون فيه أيضا . فأما أن يكون المراد بالشأن ذات الحادث وصفاته ولا شك أن الوجود القديم فيه بمعنى أنه متجلي به ؛ إذ هو وجوده لا وجود له غيره ، وإما أن يكون الشأن المنسوب إلى اللّه تعالى هو تعالى فيه كما ذكرنا . والشأن المنسوب إلى العبد يكون العبد فيه . وهي نسبة الأفعال إلى المكلفين على كل حال فالحوادث قائمة بوجودها ولا وجود لها من نفسها حتى يفهم من الظرفية الحلول كما سنذكره .
--> ( 1 ) ( سورة الرحمن / 29 ) . وهذا إخبار عن غناه عمن سواه ، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات ، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم ، وأنه كل يوم هو في شأن . وعن مجاهد قال : كل يوم هو يجيب داعيا ويكشف كربا ويجيب مضطرا ويغفر ذنبا ، وقال قتادة : لا يستغنى عنه أهل السماوات والأرض يحيى حيا ويميت ميتا ، ويربى صغيرا ويفك أسيرا وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم . تفسير ابن كثير ( 4 / 275 ) . ( 2 ) ( سورة يونس / 61 ) . ( 3 ) ( سورة يونس / 61 ) . يخبر تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أنه يعلم أحواله وأحوال جميع أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . تفسير ابن كثير ( 2 / 404 ) .